أحمد بن علي القلقشندي
399
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
جمالها ، وتفسّح في العلياء مجالها ، ونجح في منابت الفضل أصلها ، وشرف بكواكب اليمن اتّصالها ، ومعاليه التي تهلَّل بها وجه الأصالة ، وكمل بيت الرّآسة والجلالة ، ومساعيه الَّتي استوفى بها أجناس الفضل وتوريثه فما أخذها عن كلال ولا ورثها عن كلالة ، وسيرته الَّتي تطوي فخار الأقران حين تنشر ، وهمّته التي أنشدت السّعادة فرعها الكريم : « مباديك في العلياء غاية معشر » ، ومكانته من بيت السيادة الرّفيع عماده ، البديع سنده المنيع سناده ، المديد من تلقاء المجرّة طنبه الثّابتة من حيّز النّجوم أوتاده ، وأنّه نجل السّراة الذين أخذوا من الفضل في كلّ واد ، واستشهدوا على مناقبهم كلّ عدوّ وكلّ وادّ ( 1 ) ، وحملوا من صناعاتهم رايات عبّاسيّة سارت بها رماح أقلامهم تحت أبدع سواد ، وملأوا قديم الأوطان بشرف الأخير : فسواء على شيراز محاسن « ابن العميد » ومحاسن « ابن العماد » ، وتبيّنت مناقبهم بهذا النّجل السّعيد طرق المراتب كيف تسلك ، وإحراز المناصب كيف يكون لها يد أرباب البيوت أملك ، ودرجات الوظائف كيف تسرّ الوالد بالولد حتّى يقول : لا أبالي هي اليوم لي أم لك ! ؛ كم استنهض والده لجليل فكفى ، وجميل قصد فوفى ، وأوقات علت حتى أضحت إلى علاه تنتسب ، ومناصب رزق - بتقواه فيها - من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب ؛ وجاء هذا الولد ذخيرة والده فحسنت للخزانة الذّخيرة ، وعضّدت الأوّلة من السيادة بالأخيرة . فليباشر هذه الوظيفة مباشرة هي أعلى منها وأشرف سيرة ، مجتهدا فيما يبيّض وجه علمه ونسبه ، عارفا قدر هذه الرّتبة من أوائل رتبه ، متيقّظ الأفكار والطَّرف ، متأرّج المعرفة إذا ذكروا العرف ، زاكيا تبر شهادته على التّعليق فلا ينتقد عليه في متحصّل ولا صرف ، حتّى تقول الخزانة : نعم العزم الشاهد ! وحتّى يشهد بوفاء فضله المضمون ، وحتّى يعلم بأمانته أنّ عبد اللَّه هو « المأمون » ؛ وتقوى اللَّه تعالى في الوصايا أوّل وأولى ما تمسّك به ، واستقام على
--> ( 1 ) أي كل محبّ ؛ وهي اسم فاعل من « ودّ » يودّ .